التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسطورة شتاء السويد (1)

انتقلت إلى السويد في نهاية الخريف وبداية الشتاء. كلما ذكرت هذا الأمر لزملائي السويدين أو المقيمين على أراضيها من الأجانب, كنت أتلقى قسطًا من المواساة والتعاطف أن أول معرفتي بالسويد كانت في هذه الفصول الصعبة, وتأتي الوعود والطمأنينة أن الوضع سيتحسن عما قريب حين يأتي الربيع. 

على الصعيد الآخر, رأيت جملة تم تداولها هذا الشتاء على صفحات Facebook تقول: "الشتا ده احبه وانا في السويد ... مش هنا في ام الدنيا". جملة عابرة ربما قالتها صاحبتها ضجرًا من امتلاء الشوارع بمياه الأمطار, أو لأسباب أخرى وقد تكون زارت السويد من قبل أو لم تفعل. ولكن حين قرأتها حضر في ذهني مشهدين, مشهد ضجر قائلة العبارة ومن يتفق معها من الشتاء في مصر, وتطلعها إلى شتاء السويد. والمشهد الآخر هو ضجر من كانوا يواسونني لقضاء الشتاء في السويد, وتطلعهم إلى شتاء كشتاء مصر. 

إن كنت تستغرب فكرة ضجر من يعيشون هنا أو عدم ولعهم بشتاء السويد بل وتطلعهم إلى شتاء كشتاء بلادنا, إذًا استمر في القراءة. سأحاول أن أنقل ما عشته بنفسي بعد قضاء شتائين في السويد, في محاولة لهدم الأسطورة ورؤية الأمور بشيء من الواقعية. 

درجة الحرارة 

أول ما تعرضت له من ملامح الشتاء في السويد قبل حتى أن أغادر مصر كان اختلاف درجات الحرارة. التقطت هذه الصورة في المطار لتسجل ذكرى الانتقال من درجة حرارة 26 مئوية إلى 2 درجة مئوية. ذكريات! كنت أظن حينها أن 2 درجة مئوية تُعدّ برودة, كم تتغير الأحوال! الآن إذا وجدت درجة الحرارة 2 مئوية فهذا يعني أني أستطيع التخفيف من ملابسي والاستمتاع بالمشي في جو معتدل.
 سبحان الله الذي وهب أجسادنا هذه القدرة الهائلة على التأقلم والتكيف مع البيئة المحيطة. 

بين القاهرة ستوكهولم - أكتوبر 2019
بين القاهرة وستوكهولم - أكتوبر2019
جو مشمس عليل - فبراير 2021


ولكن عودة مرة أخرى ليوم السفر, لكِ أن تتخيلي عزيزتي مدى حيرتي وأنا أستعد للذهاب إلى المطار, ما الذي يمكن أرتديه ليناسب درجات الحرارة في البلدين؟ وهنا نستطيع أن نتحدث عن اختلاف نوعية الملابس وطريقة ارتدائها بين الشتاء في مصر والشتاء في السويد. في مصر عادةً نرتدي الملابس الثقيلة على أكثر من طبقة, في الأماكن المغلقة والمفتوحة على السواء. في الأيام الممطرة نحتاج لمعطف مضاد للمياه وعادة يكون رقيق.
 هنا في السويد, كلمة السر هي الطبقات المختلفة في درجة تدفئتها التي يسهل نزعها, فمع درجات الحرارة التي تنخفض إلى ما يقترب من سالب 20 أو أكثر, لامفر من أن تكون كل الأماكن الداخلية مزودة بأجهزة تدفئة, وهذا يعني أنك تحتاج لطبقات يسهل نزعها عندما تدخل إلى مكان مغلق, وهذه الطبقات لا تحتاج أن تكون ثقيلة جدًا في ذاتها. فقط طبقة قطنية دافئة ملاصقة لجسمك وفوقها طبقة خفيفة أو اثنتين.
أما عن المعاطف فهي أنواع, وتختلف بحسب درجة الحرارة وحالة تساقط الأمطار والثلوج وقوة الرياح. فالمعطف الرقيق سواء كان مضاد للمياه أو لا, قد ينفعك في بدايات الخريف ولكن لا فائدة له في الشتاء. في الشتاء, تحتاج لمعطف به حشو, ويزيد الحشو على حسب درجات الحرارة,وستجد درجة الحرارة مذكورة في العلامة على الملابس. 

ستحتاج عادةّ إلى وشاح لتدفئة عنقك وصدرك, وحين تشتد البرودة قد تحتاج إلى تغطية فمك وأنفك حتى لا تتجمد. أما إذا كنت من أرباب حساسية الجيوب الأنفية مثلي, فستحتاج أن تغطي أنفك في بداية الانتقال بسبب الاختلاف الشديد في درجة الحرارة ودرجة الرطوبة. وقد تكون فكرة جيدة أن تغطي وجهك خلال العواصف الثلجية :D 

العدة والعتاد لم تنتهِ بعد, فلتكن صبورًا :) 

 أما عن الأحذية, فلكثرة الأمطار والثلوج, ستحتاج لحذاء مضاد للمياه وبه بطانة تدفئة من الداخل, هناك مواصفات أخرى مهمة لفترة الثلوج نتحدث عنها لاحقًا.

 أما عن قفازات اليد, فهذه أساسية, وقد تحتاج لارتداء طبقات منها أيضًا على حسب درجة الحرارة, ويفضل أن يكون القفاز الخارجي مضاد للمياه.  

وبالطبع لا نستطيع أن ننسى غطاء الرأس, أذنيك ستشكرك لهذا. إن كنتِ ترتدين الحجاب, والحجاب نفسه ليس من خامة ثقيلة, ما أفعله هو أّني أرتدى غطاء رأس ثقيل تحت الحجاب الخفيف أحيانًا.

الجو في السويد تكثر فيه الأمطار في الفصول المختلفة, سيفيدك أن يكون عندك دائمًا معطفاً وبنطالًا مضادين للمياه ويختلفان في وجود الحشو من عدمه ليتناسبوا مع مطر الشتاء ومطر الصيف. 

أنتِ الآن مستعدة للخروج وتذكري القول الشائع في السويد: "لا يوجد طقس سيء, فقط توجد ملابس سيئة". بهذا الشعار, تكيّف أهل السويد مع الحياة في هذا الطقس. وللإنصاف الشعور بالبرودة يختلف من شخص لآخر, وكما ذكرت آنفًا, الجسم يتكيف مع البيئة المحيطة. لاحظت في نفسي أني خففت من ملابسي في الشتاء الثاني على رغم أنه أشد برودة واكتفيت في الشتائين بالمعطف الذي كنت أستخدمه في مصر ذا حشو متوسط ولم أحتج بعد للمعطف الذي أشتريته هنا. استطعت الاستغناء عن غطاء الأنف في معظم الشتاء مقارنة بالشتاء الأول, وتحملت ركوب الدراجة عندما كانت درجة الحرارة صفر أو أقل بقليل. 

وهنا يجب التنويه أني أتحدث فقط عن العاصمة ستوكهولم التي تقع في شرق السويد, وهي أقرب للجنوب منها للشمال. فكل ما أذكره عن ستوكهولم قد تحتاج مضاعفته للتأقلم مع الحياة في الشمال. فمثلًا لن تكتفي فقط بحذاء له بطانة تدفئة ولكن ستحتاج لجوارب ثقيلة وقد تحتاج أن ترتدي منها طبقات.

 ولا تظن عزيزي القارئ أنك تستطيع الهروب من هذا الطقس بالبقاء في المنزل معظم الوقت, فلهذا عواقب أخرى نتحدث عنها في الجزء الثاني إن شاء الله حين نتحدث عن قصر النهار وتأثيره ولماذا يضجر الكثيرين منه.

يُتبَع ...


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجربتي مع الأكل في ستوكهولم

آخر تحديث في: 8 يونيو 2022 من أوائل تجارب الغربة هي تجربة التعرف على أنواع الطعام المتوفرة في البلد. كمصرية ومسلمة, كنت ومازلت في رحلة البحث عن الطعام المألوف من المأدبة المصرية, الطعام الحلال واستكشاف ما يطيب لي من طعام هذه البلاد. في هذه السطور القادمة, سأحاول تلخيص تجربتي وتجربة الأصدقاء المقيمين في ستوكهولم أيضًا عن الطعام المصري والطعام الحلال علّها تفيد المنتقل حديثًا إلى ستوكهولم. متاجر البقالة المنتجات العربية /الحلال في المحلات الأجنبية الطعام المصري المطاعم الحلال ملاحظات معلومات عن الطعام الحلال في ستوكهولم متاجر البقالة متاجر سويدية:  ÖoB ,  Coop ,  ICA , Willys ,  Hemköp متاجر أجنبية: LiDL متاجر جميع منتجاتها عربية/حلال: Munir Livs , Skärholmen City Handel   متاجر تحتوي على منتجات عربية/حلال: , Matvärlden , Prisma ,...

أساطير عن الغربة

من خلال الحديث عن الغربة قبل وبعد أن أخوض التجربة بنفسي, سواء مع من خاض التجربة من قبلي أو من يرغب في خوضها ولم يفعل بعد, بدا لي أن هناك بعض الأساطير حول الغربة إلى بلاد أوروبا وأمريكا خاصة. وحيث أن تجربتي في الغربة هي في السويد, فهذا الذي سأتحدث عنه, وربما أنقل عن الأصدقاء في البلاد الأخرى إذا أمكن.  المرء يعرف ما يعيشه أكثر بكثير مما لا يعايشه بنفسه, فقد يقع المرء في فخ تصور أن أبواب الجنة خارج حدود ظروفه وبيئته التي يلاقي فيها المشاكل والصعاب. Image by PixArc  from Pixabay ورغم انفتاح العالم بعضه على بعض وتناقل الصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي, فإن هذه الصورة في أغلب الأحيان تنقل الجانب الجميل المنمق أو قد تنقل الصورة بعين السائح أو المشهد السينيمائي ولكن قليلًا جدًا ما تنقل لك الحقيقة الكاملة. فصور باريس الساحرة لم تنقل لك معها شعور صديقتي بالغثيان من رائحة التبول في طرقات وأنفاق العاصمة الفرنسية. في رأيي, السفر والإقامة خارج الأوطان من أمتع التجارب وأكثرها ثراءًا في رحلة الإنسان ونضجه وفهمه للعالم من حوله خاصةّ لو خاضها وحده. ولكن للغربة ثمن, وهو ليس بثمنٍ هينٍ, فتأكد أ...

أسطورة شتاء السويد (2)

"انتقلت إلى السويد في نهاية الخريف وبداية الشتاء. كلما ذكرت هذا الأمر لزملائي السويدين أو المقيمين على أراضيها من الأجانب, كنت أتلقى قسطًا من المواساة والتعاطف أن أول معرفتي بالسويد كانت في هذه الفصول الصعبة, وتأتي الوعود والطمأنينة أن الوضع سيتحسن عما قريب حين يأتي الربيع."   تحدثت في الجزء السابق ( أساطير عن الغربة: شتاء السويد (1) ) عن تجربة قضاء شتائين في السويد وعن درجات الحرارة المنخفضة وسبل التأقلم معها. في هذا الجزء سأنقل لكم أهم وأصعب ملامح الشتاء في السويد والتي تشترك فيها مع باقي دول شمال أوروبا (الدنمارك, النرويج, فنلندا, أيسلندا, ..) وكندا. فكلما اقتربت من القطب الشمالي, كلما زادت حدة وتأثير هذا الملمح. قصر النهار لك أن تتخيل معي هذا المشهد, تجلس داخل محل عملك, تنظر من النافذة فترى الظلام قد حل, تنظر في الساعة تجدها الثالثة والنصف. تتسائل, ماذا يحدث؟ كيف أتى الغروب بهذه السرعة؟ اااه, مرحبًا بك في شتاء السويد :)  هذا ما حدث معي في منتصف نوفمبر, كان أشد ما ألحظه هو اقتراب مواعيد الصلاة بين الظهر والعصر كما لم أعهد من قبل.  واستمر النهار في قصره, لم ي...