"انتقلت إلى السويد في نهاية الخريف وبداية الشتاء. كلما ذكرت هذا الأمر لزملائي السويدين أو المقيمين على أراضيها من الأجانب, كنت أتلقى قسطًا من المواساة والتعاطف أن أول معرفتي بالسويد كانت في هذه الفصول الصعبة, وتأتي الوعود والطمأنينة أن الوضع سيتحسن عما قريب حين يأتي الربيع."
تحدثت في الجزء السابق (أساطير عن الغربة: شتاء السويد (1)) عن تجربة قضاء شتائين في السويد وعن درجات الحرارة المنخفضة وسبل التأقلم معها. في هذا الجزء سأنقل لكم أهم وأصعب ملامح الشتاء في السويد والتي تشترك فيها مع باقي دول شمال أوروبا (الدنمارك, النرويج, فنلندا, أيسلندا, ..) وكندا. فكلما اقتربت من القطب الشمالي, كلما زادت حدة وتأثير هذا الملمح.
قصر النهار
لك أن تتخيل معي هذا المشهد, تجلس داخل محل عملك, تنظر من النافذة فترى الظلام قد حل, تنظر في الساعة تجدها الثالثة والنصف. تتسائل, ماذا يحدث؟ كيف أتى الغروب بهذه السرعة؟ اااه, مرحبًا بك في شتاء السويد :)
هذا ما حدث معي في منتصف نوفمبر, كان أشد ما ألحظه هو اقتراب مواعيد الصلاة بين الظهر والعصر كما لم أعهد من قبل.
واستمر النهار في قصره, لم يأتي الغروب مبكرًا عن هذا, ولكن ظل الشروق يتأخر حتى وصل إلى حوالي التاسعة إلا الربع في نهاية ديسمبر ثم بدأ في التراجع تدريجيًا. هذا يعني أنك تستقيظ في الظلام, وتعود من عملك/دراستك أيضًا في الظلام. قد تظن أن هذا أمر عادي, فمعروف أن النهار يقصر في الشتاء. وهذا حقيقي, ولكن العامل الآخر الذي نحتاج أن نأخذه في الحسبان هو غياب ضوء الشمس.
في مصر, نعتاد وجود ضوء الشمس والسماء الزرقاء معظم أيام السنة, قد تمر علينا بعض الأيام الممطرة وتمتلأ السماء بالسحب والغيوم, ولكنها تزول بعد هذا الوقت المحدد. الأمر ليس كذلك هنا, في ديسمبر هذا العام, نشرت الصفحة الرسمية للسويد الناظقة بالعربية تساؤلنا جميعًا هنا
أين ذهبت الشمس؟ حيث لم نر الشمس مطلقًا في ستوكهولم حتى منتصف ذلك الشهر. كنت أتعجب في البداية حين أسمع إحصائيات عدد ساعات الشمس في شهور الشتاء هنا, لماذا يحصون عدد ساعات الشمس؟ ولكن بعد قضاء الشتاء هنا, أدركت حقًا أن وجود ضوء الشمس هو ليس أمرًا مسلمًا به كما اعتدت في شتاء مصر. حين يحدث ونرى السماء زرقاء وتزورنا بعض أشعة الشمس, يكون هذا يوم عيد. ترى الجميع في الشوارع والحدائق يجلس أو يقف في مواجهة الشمس ليتلقى ضوءها, لن أقول دفئها فسطوع الشمس هنا لا يجلب معه الدفء بالضرورة حين تكون درجة الحراة أقل من الصفر وخاصة حينما تكون الرياح الشديدة.
هذا هو واقع شتاء السويد وجيرانها. هذا النهار القصير هو نهار رمادي مظلم عادةّ, يتدرج في درجة الرمادي فيقترب من السواد تارةً ويقترب من البياض تارةً أخرى, الاستثناء هو أن تكون السماء زرقاء وضوء الشمس واضحًا. بياض الثلج حين يملأ الأرجاء, يقلل من حدة الظلام. وكما ذكرت آنفًا, شتاء ستوكهولم ليس هو الأشد مقارنة بمدن الشمال التي تقترب من الدائرة القطبية, فمثلًا كما ذكرت الصفحة الرسمية للسويد الناطقة بالعربية,
ودعت مدينة كيرونا الشمس في 11 ديسمبر, وتستقبلها مجددًا في الثاني من يناير لمدة نصف ساعة. تسمى هذه الظاهرة
بالليل القطبي وقد تستمر لمدة 50 يومًا في شمال فنلندا. وعكس هذه الظاهرة يحدث في الصيف, أي أن الشمس لا تغيب. هنا في ستوكهولم نلحظ هذا أيضًا ولكن بدرجة أخف. في منتصف يونيو نشهد ما يعرف
بشمس منتصف الليل, لم أكد أصدق ما رأيت بعيني حينها, حيث خرجت إلى شرفة منزلي في الثانية عشرًا منتصف الليل ولم أر ظلامًا.
الإنسان ليس في منأى من تأثير هذه الظواهر, فهي ليست ظواهر تُرى بالعين فقط ولكنها تؤثر على نشاطه وعلى صحته النفسية وربما البدنية. فمع غياب ضوء الشمس, ينتشر ما يسمى بالاضطراب العاطفي الموسمي (Seasonal Affective Disorder SAD) أو ما يطلق عليه
اكتئاب الشتاء. وهذا يفسر لي لمَ كان الجميع يواسيني بأن أول عهدي بالسويد كان في هذه الفترة. قد لا يتعرض الجميع لهذا الاضطراب, ولكن نقص ضوء الشمس, يجعل الإنسان يتعرض للخمول بنسبة كبيرة وشعور مستمر بالإرهاق, يصعب معه الاستيقاظ ومباشرة الأنشطة اليومية بشكل يسير. كما قد يشعر الإنسان بالإحباط, عدم رغبة في ممارسة الأنشطة أو التواصل الاجتماعي. وإذا كان الشخص يعاني من اكتئاب, فقد تزيد حدته خلال هذه الفترة. أذكر أنّي سمعت منذ سنوات عديدة قول أحدهم أن سكان هذه البلاد بلغوا من الترف ورغد العيش لدرجة إنهم يقدمون على الانتحار, بعد أن عشت هنا بنفسي, أظن أنّي أتفهم لما قد يصل البعض لهذه المرحلة والأمر ليس متعلق بالترف ورغد العيش كما ظن صاحبنا. ربما قد رسمت كلماتي صورة قاتمة جدًا ولكن هناك طرق للنجاة خلال فصل الشتاء والتكيف مع هذه الظواهر. وأنا أعني استخدام كلمة النجاة, فستجد العديد من المقالات بعنوان
?How to survive winter in Sweden تنتشر بين الزملاء في العمل ودوائر المنتقلين حديثًا إلى هذه البلاد.
من أهم هذه النصائح:
- الحرص على تناول الجرعة المناسبة من فيتامين د بداية من أكتوبر وحتى نهاية فصل الشتاء. وأقول الجرعة المناسبة لإن السويدين نشأوا على قلة ضوء الشمس, فجرعة فيتامين د التي يحتاجونها أقل مما نحتاجه نحن من أبناء البلاد التي تسطع فيها الشمس طوال العام. هذه كانت نصيحة جيدة من إحدي زميلات العمل, حيث أرشدتني أن اذكر البلد التي أتيت منها في الصيدلية, ليرشدوني إلى الجرعة المناسبة.
- ممارسة الرياضة بشكل يومي, حتى ولو نصف ساعة يوميًا. السويدين حريصون جدًا على ممارسة الجري والمشي مهما كانت درجة الحرارة وتواجد الثلوج. وهناك من يستمتع بممارسة رياضات الثلوج ويجد فيها هذا النشاط. ولكن أي نوع من الرياضة الذي ينشط القلب ويجدد الدورة الدموية يصلح.
- التعرض لضوء النهار من خلال المشي خارجًا وقت الظهيرة مهما كانت حالة الطقس. قد لا نرى الشمس, ولكن أشعتها مازالت تصل إلينا وتحمل معها الفائدة التي نحتاجها. نصحني بهذا أحد زملاء العمل الذي انتقل إلى السويد منذ سنوات, وأخبرني أن في حالة عدم المداومة على ذلك قد أصل إلى يناير وأنا في أشد الإنهاك.
- الاستعانة بنوع إضاءة للمكتب يحاكي ضوء الشمس
- الاستعانة بالأطباء النفسيين إذا اشتد الأمر
- محاولة الحفاظ على الروابط الاجتماعية قدر المستطاع وعدم الاستسلام للوحدة
مع وجود جائحة كورونا, يصبح الشتاء هنا أشد صعوبة, ولكن مع الالتزام بهذه الإرشادات والحرص على الحفاظ على الصحة النفسية, نستطيع أن نعبره بسلام. ومن الأمانة أن أذكر أن هناك من لا يحتمل مثل هذا الشتاء, ليس فقط من أبناء بلادنا, ولكن من أبناء دول أخرى في أوروبا أو من أبناء السويد نفسها, منهم من يفر إلى بلاد أخرى خلال فصل الشتاء ليعوّض نقص الشمس مثل زميلتي من هولندا التي ذهبت لصحراء المغرب لقضاء أجازة أعياد الكريسماس. أو زميل عمل آخر من إيطاليا, ترك السويد بالكامل لعدم تحمله للشتاء وانتقل للعمل بفرع آخر للشركة.
الصور التي تنتشر لشتاء بعض البلاد المختلفة عما اعتدنا, تنقل معها بياض الثلوج وضحكات التزحلق على الجليد, ولكنها لا تنقل الجانب الآخر من الصورة. قد يستطيع البعض تحمله وقد لا يستطيع, ولكن على الأقل يحتاج أن يعرفه قبل أن يتصور أن شتاء هذه البلاد هو الأكثر متعة أو يفكر أن ينتقل إلى هذه البلاد. أحمد الله أن هذه المعلومة توافرت لي قبل أن أقدم على هذه الخطوة, على الأقل لم أتعرض لصدمات وهذا ما أحاول تحقيقه من هذه السلسلة.
وفي الجزء التالي إن شاء الله, نتحدث عن الثلوج بين الصور والواقع ..
يُتبَع ...
تعليقات
إرسال تعليق