من خلال الحديث عن الغربة قبل وبعد أن أخوض التجربة بنفسي, سواء مع من خاض التجربة من قبلي أو من يرغب في خوضها ولم يفعل بعد, بدا لي أن هناك بعض الأساطير حول الغربة إلى بلاد أوروبا وأمريكا خاصة. وحيث أن تجربتي في الغربة هي في السويد, فهذا الذي سأتحدث عنه, وربما أنقل عن الأصدقاء في البلاد الأخرى إذا أمكن.
المرء يعرف ما يعيشه أكثر بكثير مما لا يعايشه بنفسه, فقد يقع المرء في فخ تصور أن أبواب الجنة خارج حدود ظروفه وبيئته التي يلاقي فيها المشاكل والصعاب.
ورغم انفتاح العالم بعضه على بعض وتناقل الصورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي, فإن هذه الصورة في أغلب الأحيان تنقل الجانب الجميل المنمق أو قد تنقل الصورة بعين السائح أو المشهد السينيمائي ولكن قليلًا جدًا ما تنقل لك الحقيقة الكاملة. فصور باريس الساحرة لم تنقل لك معها شعور صديقتي بالغثيان من رائحة التبول في طرقات وأنفاق العاصمة الفرنسية.
في رأيي, السفر والإقامة خارج الأوطان من أمتع التجارب وأكثرها ثراءًا في رحلة الإنسان ونضجه وفهمه للعالم من حوله خاصةّ لو خاضها وحده. ولكن للغربة ثمن, وهو ليس بثمنٍ هينٍ, فتأكد أنّك تعرفه جيدًا قبل أن تقرر.
لا أسعى من خلال هذه السلسلة أن أقبح الصورة الجميلة بالكلية أو أصورها جحيمًا, فلن نعالج الداء بداء آخر. وليس الهدف أن أسرد المشاكل والتحديات التي واجهتها أو واجهها غيري بالكلية, ربما أذكر أمورًا بسيطة, ولكن هدفي هو هدم بعض الأساطير والاقتراب من أرض الواقع.
أخبرتني صديقة مؤخرًا حين نشرت موقفًا عابرًا حدث في يومي, أن نشر هذه الصورة من الحياة الواقعية في تلك البلاد أمر مفيد, فهناك من لم يطأ هذه البلاد ولا يتصور أن هذا أو ذاك قد يوجد هناك. ما أحاول المساهمة به هو إدارة التوقعات لمن يفكر أن يخوض هذه التجربة.
أقتبس حديث أحد الأصدقاء حين سألته عن خبرته بعدما خاض التجربة, فقال:"كنت أظن أن المشاكل ستنتهي بمجرد أن أغادر مصر, ولكنّي اكتشفت مشاكل وتحديات من نوع آخر". أو حديث صديقتي حين قالت "تجربة الغربة تمر بمراحل, في الثلاثة أشهر الأولى تظل مأخوذًا بسحر التجربة الجديدة والبيئة المختلفة, ثم تدخل في مرحلة اعتياد أو ألفة هذه البيئة الجديدة, ثم تبدأ عيناك ترى الواقع كما هو وتنتبه للتحديات والمشاكل."
إدارة التوقعات ربما لن تجنب الصدمات تمامًا ولكنها قد تقلل من حدتها ..

تعليقات
إرسال تعليق